بقلم الأستاذ والنحات: عبد الله أبو العباس – تونس
من تكسر الضوء تتشكل اللوحة في احتفالية خاصة ومع انفعالات الفرشاة تارة و تريثها آخرى، تفصح عن أجزائها، كل شكل منها يحكي حكايته ليستفز عين المشاهد بالتساؤل و يعطي قراءة ذاتية للعمل التشكيلي حسبها بلوغ مفهوم أو اجابة تنتهي دهشة ما.
فاللوحة مع محمد سعود عالم من المكونات و فضاء يختزل جمعا من الخبرات التي لا تتكشف بسهولة، و اعتبر نفسي محظوظا و قتما قاسمت الفنان أحاديثه حول الفن و التشكيل و الاستطيقا ، خلال مشاركتي الأخيرة بالمغرب في الملتقى الدولي للفنون التشكيلية بمدينة مكناس.

لقد تأكد لي مدى تملك هذا الفنان لملكة الخلق و الابدتع فهو انسان فنان، يحمل تصورا و رؤية ذاتية تأخذ من التجارب المعاصرة دون أن تذوب فيها و تختلف معها دون خلاف أو انبات. هو معاصر لعصره، متشبث بتاريخه لم تغره تقليعات المعاصرة و شطحات ما بعد الحداثة ، هذه الشطحات التي التي صارت تباغتنا في كل معرض و في كل حدث ثقافي، يريد لفت الانتباه مهما كانت قيمة المحتوى.
مع الفنان العالمي محمد سعود تجد القديم و الجديد صنوان يسيران جنبا إلى جنب، فان أنت أردت الماضي و عبق التراث و جدته اكثر الماما و تمسكا بموروث الأجداد و ممعنا في عالم البداياتوملاحم البدء لكأنك من خلال ألوانه تتسمع نشيد اللوحة الأولى من ملحمة الخليقة:
" عندما لم يكن للسماء اسم بعد
عندما لم يكن للأرض تحت السماء اسم بعد
عندما لم تكن بعد مراع خضر
عندما لم تكن أجمات القصب
عندما لم تكن بعد الحقول...
اضطرب الماء امتزج العذب بالمالح
...فولد الكون
من الزبد انت الأرض
من الأمواج كانت الجبال
و ما تطاير من الماء ارتفع سماء فوثق سماء" *1
أما إذا طلب المشاهد روح العصر و عاج إلى المعاصرة و جد محمد سعود قد سبقه بألوانه
و طرق تعامله مع الفضاء و مكونات العمل الفني في اللتكوين و طرق العرض وصولا إلى ما ئؤلف
أو يقال حول الممارسة التشكيلية، هذه اللعبة المفتوحة و نوةا الحديث عن أشيءا و كوامن يكتشفها المتفر لأول مرة إلا و هي قدرة الفن على معايشة التصورات المجردة و استباق العقل.
ان المتفرج لا يستطيع ان يخفي ما يشاء من روابط تكون بها كل المنظورات ممكنة فيكون عالمه قريبا من العالم الزمكاني الذي تصوره انشتاين عالم حيث كل شيء بالنسبة لكل واحد منا يشكل الماضي و الحاضر معا. انه بفضل اللون يعيد إلى الانسان لغة نسيها اثناء اليقظة*2 ، انها لغة الحلم.
ان اشتغال محمد سعود على لغة الحلم انما هو تجاوز للمعنى الدارج للرمز و الأشياء و سير الى لحظة جمالية يستطيع فيها المتقبل ان يجمع بين التجربة و الذهنية و الجسدية و يكون المحسوس نافذة الذات و ايحاء بكوامنها.
ان اشتغال محمد سعود على لغ لقد استطاع محمد سعود بفضل حرفيته و حسه المرهف ان يحدد أدق المفاهيم التشكيلية و يقربها من ذهن المتقبل دون تكلف أو مبالغة لأخذ اللون مثلا ، و ما يزخر به من طاقات ، فالالون في المغرب له خاية فريدة و الذي كثيرا ما استأثر اهتمام كبار الرسلمين و الفنانين الذين زاروا المغرب و اجمعوا على أنه بلد الضوء دون منازع ولقد عشت هذه الحقيقة في المغرب بعد أن قربتني لها أعمال سعود. في المغرب يكون الضوء عجيبا يستفيد من البحر و المحيط و مقومات الجبل فينعكس ليغسل الأشياء أمام العغين و يحيطها هالة تستهوي المشاهد و تشد عشق السائح الى الأشياء و المناظر. في المغرب يختلف اللون عن اسمه فالأزرق الذي يجيىء به السائح في ذاكرته إلى هذا البلد ليس الأزرق المعهود و الأحمر ليس الأحمر ذاته الذي درسه في كتب الابتدائي أو تعلمه من أقلام الزينة و حبر الصباغة اللون عالم يحاصرك و يشدك إلى المكان و الفضاء.
الحلم انما هو تجاوز للمعنى الدارج للرمز و الأشياء و سير الى لحظة جمالية يستطيع فيها المتقبل ان يجمع بين التجربة و الذهنية و الجسدية و يكون المحسوس نافذة الذات و ايحاء بكوامنها.
و يسرح بك في هدوء ناعم صلب زقاق المدينة و باحات المنازل أين تقاسمك معه حدود الظل و العتمات المتناثرة هنا وهناك اسفل الجدران و البوابات و خيلات الأجساد العابرة في ممرات الأنهج و السقائف.*3
لقد دهشت كثيرا حين اطلعت على آخر الأبحاث حول اللون و اكتشفت قدرة الفنان العالمي محمد سعود على استثمارها عبر حدسه فهو يقدم تشكيليا مرادف ما توصلتله الأبحاث العلمية حول طاقات اللون و يشرح القانون الذي يجذبنا إلى الألوان و يقر أن اللون عنصر مشحون بقدرات عديدة ترتبط بالحس و الدم و التنفس و الحالات النفسية حينا تجد نفسك أمام أعماله.
و يستمر محمد سعود في تجريب الألوان ليلامس بلمساته فرادة مشروع جمالي قوامه الايحاء هذا الفعل الذي يلفت انتباهنا إلى فكرة لم تخطر على البال. ايحاء من الذات ألأى الذات .*4
و يتمادى في ذلك ليؤكد اكتمال الفنون و انصهار الشعر و الرسم انه يستلفظ بألوانه الى تذوق الشعر بصريا لكانه يترحم ما قاله انطوان كوبيل في خطابه امام الأكاديمية الملكية للرسم و النحت عام 1741. حيث قال:" على الرسام أن يكون أن يكون شاعرا لا أقول عليه أن يكتب شعرا إذ يفعل المرء ذلك من غير أن يكون شاعرا و لكني أقول يجب أن يمتلىء بالروح ذاتها التي تحرك الحياة في الشعر فحسب، بل عليه أن يعرف بالضرورة قوانين الرسم ذاتها على الرسام أن يفعل بالعين ما يفعله الشعر بالأذن.*5
ان هذه الحرفية لا يمكن أن تتوفر إلا عند فنان كبير احترف أكثر من أسلوب و كان دائما وفيا إلى تعريف التشكيلي الصادق هذا الشخص الذي يحول العمل الفني إلى مساحة للحلم و الحياة يبتكر احتفالية الجمال وفق منطقة الخاص اين تتقدم الذات كمرجع للوعي و مولدا للاحساس بها يتذةق الجمال و منها تولد لحظة التماهي مع المطلق.
و لعل هذا القصيد الصيني لـ: كي يان و الذي يصور طفلا صغيرا يتساءل عن موعد و علامات قدوم الربيع ، أفضل ما نختم به مقالنا حول الفنان العالمي محمد سعود صاحب ربيع الذات المطلق...
أيها الربيع ...أيها الربيع
متى تبدأ بالظهور
أبي أعلمني و قال لي وقت نعومة الجليد الربيعي
أمي قالت لي في شدو طيور الخطاف
أختي قالت لي في رسومات أخي الصغير
و أنا أقول في ضحكات أختي
الشجرة العجوز قال لي:
يولد الربيع عند تدفق أول برعم من أوراقي
العشب الصغير يردد قائلا
الربيع يولد من وفي أعماق القلب.*6
هذا هو الجمال يترجمه محمد سعود هدية لونية من القلب إلأى القلب و ربيعا أبديا لا ينتهي.
=========
الهوامش:
1- أنيس فريحة اللون الأول من ملحمة ( في العلى عندما) ملاحم و أساطير من الأدب السامي دار النهار ط 02 بيروت 1979 .
2- ايريك فروم : اللعة المنسية ترجمة ح قبيسي ط1 المركز الثقافي الدار البيضاء 1975 .
3- عبد الله أو العباس مذكرات الرحلة الأولى إلى المغرب
4- لالند المعجم الفلسفي مادة Suggestion
5- فرنكلين روجرز الرسم و الشعر تمي مظفر دار المامون بغداد 1990
6- كي يان باي وانغ شونغ بيجين الصين 1980 .
العمل من روائع الفنان سعود صباغة زيتية 1/0.81 صم